spot_img

ذات صلة

جمع

صناعة الشر : كراهية الوطن وأهله..!

مرتضى الغالي يخطئ مَنْ يظن أن الكيزان يحبون فقط الاستئثار...

من المسؤول عن الانقسام الجديد لحزب الأمة؟

صلاح شعيب القرار الذي أصدره فصيل من حزب الأمة القومي...

في تذكر ما تيسر من سيرة الراحل الكبير محجوب محمد صالح

حيدر المكاشفي صادف يوم الثالث عشر من شهر فبراير...

استنهاض المكان بقتل ذاكرة المكان: مؤتمر (قمم) في نيروبي بين السياسة والجغرافية

صلاح الزين المكان، مطلق مكان، حاضنةُ السياسة. والسياسة تنهض فوق...

السياسة المصرية تجاه السودان : احتواء أم دعم مشروط؟

زهير عثمان حمد لا يمكن فصل الموقف المصري من الأزمة...

استنهاض المكان بقتل ذاكرة المكان: مؤتمر (قمم) في نيروبي بين السياسة والجغرافية

صلاح الزين

المكان، مطلق مكان، حاضنةُ السياسة. والسياسة تنهض فوق المكان الملفوف بالتاريخ والذاكرة. قتلُ ذاكرة المكان هو هو قتلُ السياسة والذي هو هو خروج السياسة من التاريخ وتعليقها على حبل غسيل العدم وإلباسها مِعطف السديم والفناء. والمكان، مطلق مكان، يُعرَّف بساكنيه، بشراً وحجراً ومِن ثَم ينفك من قبضة الجغرافية كمنظومة مواسم ورياح وجبال وسهول وأنهار وبراكين. المكان وقاطنوه مَن ينزعوا الجغرافية من مرايا العدم لتَرى نفسها، أكثر رقياً وفصاحة، كمكان مأهول بعبادٍ يتعاطون شؤون الحياة، حياتهم، لا فضاءً مسكوناً بصفير الأنواء والصدى. وبذلك يكون المكان صُرةَ ذكرياتٍ تُرشِدُ إلى سبل العيش والحلم والجمال. الرأس “الجنجويدي”، أحد رأسَيْ الإله “جانيوس” والمُستَل من ضلع الآخر، الرأس “الفلولي”، شرعَ في اعتلاء مركب أوديسته الخاص وأبْحرَ في تغريبةٍ “نيروبيَّة” في السابع عشر من فبراير 2025 من مدينة نيروبي حاضرة كينيا لِزفِّ الجغرافية للسياسة في عرس بأهازيج فوق مأتم المكان والذاكرة، العباد والذكرى والتاريخ مستلِفاً ومتوشحاً بعباءة نصفه الآخر، الآخر “الفلولي” والسير في دربه كذئب يقتفي أثر دم فريسته.

وكما نصفه الآخر، أفلحَ في استلال أضلاعٍ بأقدامٍ ونعلات تعينه على الخطو والسير قُدماً نحو ما سار فيه رفيق درب الخطاب، خطاب حرب أبريل 2023 ذو الرأسين “جنجويدي” و”فلولي” حتى يكون “جانيوس” إلهاً غير منقوص الهيئة والقوام، عملاً بحكمة الأهالي: ود الوز عوام!! فالآلهة، أحيانا، لا تبخل بحليب حكمتها على مخلوقاتها. انفتحت أشرعة مركب الرأس “الجنجويدي” على طبيعةٍ فيهِ تنظر في مرآة ذاكرتها فلا تَرى إلا وجهها لا وجه التاريخ في مرآة الذاكرة، ذاكرة المكان وقاطنيه. فالرأس “الجنجويدي” لا ذاكرة له إذ هو معنِيٌّ فقط بالجغرافية لا المكان، بما تحت الأرض لا ما فوقها من بشر وعباد. وبتلك الذاكرة الزلقة يتعاطى السياسة كممارسة لا ذاكرة لها. انمساخ الذاكرة شرط لصلاح السياسة والذي هو هو الخروج من مرابع التاريخ ليصبح إصلاح الأخيرة، أي السياسة، لا بالعودة إلى التاريخ لإعادة قراءته واستنطاق ما صمت عنه وإنما استدباره. بهذا النظر شرع الرأس “الجنجويدي” في تغريبته “النيروبِيّة” التي خلع عليها اسم “تأسيس”، والتي تعني برنامجاً سياسياً ممارسته السياسة لا علاقة لها بما سبق قاعة الفندق الكيني حيث وُلدتْ “تأسيس” ذات سابع عشر من فبراير 2025 !! أقلع قاربه من فوق يابسة الجغرافية لا ماء التاريخ يروم ارتياد الجغرافية و يعرض عن المكان: المكان بقاطنيه والذاكرة والتاريخ. و نسيَ.. نسيَ أنه ومنذ قرابة ربع قرن من الزمان قد تمّ استيلاده من ضلعِ رأسٍ آخر “فلولي” وأوُكِلت إليه مهامٌ أنجَزَها بما يليق به كرأس رديف وأخِ رضاعة ومشيمة. تعلَّمَ الخطو والوقوف على قدميه فوق براري دار فور ووديانها.

وكان من الدِربة والنجاعة ومقتضيات تحُققِ الخطاب ذو الرأسين أنّ ما حدث في دار فور قبل حوالي ربع قرن من الزمان أنْ يحدث في ولاية الجزيرة و الخرطوم في وما بعد انفجار حرب أبريل 2023. طفولة حرب أبريل استقامت على ساقيها هناك، في دار فور، لترتدي عباءة رجولتها ونُضجها في أبريل 2023 وتخطو بنعلين وبصيرة في عاصمة البلاد وولاية الجزيرة من غير أن تُلقي عصا القتل والترويع والدمار: فقط نقلُ العصا من الكتف الأيمن إلى الأيسر. إنه خطاب حرب أبريل “الجانيوسي” ذو الرأسين “فلولي” و”جنجويدي”، وهو يتهادى في بِنيته وينتقل من مستوً في بنية الخطاب إلى مستوً آخر في ذات البنية من غير أن تنتلف أو تَوهَن قرون استشعاره إنْ كان في طفولته أو صباه وما قد يلي في سيرورته الخطابية. ومنذ البدء كان ارتهان الخطاب إلى الخارج، الخارج الجغرافي والسياسي والمالي مما أورثه ما يمكن تسميته بـ”متلازمة الخارج “، بل حتى القول إنه أنجبَتهُ، لطبيعة بنيته السياسية ومصالحه الطبقية، قوى الخارج الإقليمي والدولي ورأس المال المعولم. ومنذئذ اعتلى يخْتَهُ الجوال ليجوب كل المدن والعواصم وبلاد الله، إنْ صيفاً أو شتاءً، خريفاً أو ربيعاً. وهاهو في نسخته “الجنجويدية” الخالصة وبحنكته الخطابية ودِربته السياسية يحط رحاله، بعد طول تدبُّرِ ونظر، على الغابات الكينية ويُخرِج ما في كنانته ما يعينه على الخطو والانتقال من أحد مستويات بنيته الخطابية إلى أخرى أبعد نجاعةً وبصيرة. وفي تغريبته “النيروبية” تلك، مرةً أخرى، يُشرِع سارية مركبه لرياح الجغرافية الملفوفة بعوز التاريخ وعورته.

لا مكان للمكان وقاطنيه، من ضحايا وذاكرة، في مركب الأوديسة ذاك لينتهي لقاء “تأسيس” أو “قمم”، أو أياً كان الاسم، إلى “حكومة السلام”، المنصوص عليها في مواثيقه، كحكومةٍ تقايُض الذاكرة، ذاكرة الضحايا، بقتلِ وتجفيفِ ما تبَقّى من ذاكرة حتى ينتصر الخطاب في نسخته “الجنجويدية” الأخيرة بانتصار الجغرافية على المكان وتهشيم مرآة التاريخ. إنه اتساق الخطاب المعطوب بـ”متلازمة الخارج” في أن يَرى إلى المكان، مكان الضحايا، خارج مكانهم وذاكرة المكان كإحداثياتٍ جغرافيَّة يغطيها السديم والمحو. وبذلك يُمهَّد الطريق لاقتسام المكان في كُلِّيتِهِ كجغرافية يمكن تقاسمها وتفتيتها. تُرى كيف واتَتْ هذا المشروع “الجنجويدي”، في متاهته الأخيرة، الجرأة وانعدام الحياء السياسي والفكري وحتى الوجداني في أن يمد يده ليأخذ بيد ضحاياه بعد أن أوسعهم قتلاً وتنكيلا؟!

spot_imgspot_img