جوبا: التحول
يشهد جنوب السودان تطورات خطيرة مع تصاعد التوترات بين الحكومة والمعارضة، وسط تجدد المواجهات المسلحة والاعتقالات السياسية، في وقت يواجه فيه اتفاق السلام الموقع عام 2018 تحديات غير مسبوقة تهدد استقراره.
واندلعت اشتباكات عنيفة غرب العاصمة جوبا بين قوات الحركة الشعبية في المعارضة بقيادة رياك مشار وقوات جيش دفاع شعب جنوب السودان التابع للحكومة، وذلك في معسكر وونليت بمقاطعة تركيكا. وأفادت مصادر محلية أن المعسكر تعرض لقصف جوي مساء الإثنين، يُعتقد أن طائرات حربية أوغندية نفذته، ما أسفر عن وقوع خسائر بشرية.
ونقل “راديو تمازج” إفادات للمتحدث باسم جيش المعارضة، العقيد لام فول قبريال، أكد أن القصف استهدف مواقع قواتهم بشكل عشوائي، معتبرًا أنه يمثل خرقًا صارخًا لاتفاق السلام المُنشط. ودعا المجتمع الدولي إلى التدخل العاجل لوقف التصعيد، في حين رفض الجيش الحكومي التعليق رسميًا على الحادثة، رغم تأكيدات مصادر عسكرية بأن القوات الحكومية كانت تراقب تحركات قوات المعارضة في المنطقة قبل وقوع الاشتباكات.
في سياق متصل، وجه نائب رئيس جنوب السودان، رياك مشار، انتقادات لاذعة للوجود العسكري الأوغندي في بلاده، محذرًا من أنه يشكل تهديدًا مباشرًا لاتفاق السلام. وفي رسالة رسمية إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، دعا مشار إلى تحقيق دولي عاجل في الغارات الجوية التي استهدفت ولايتي أعالي النيل وجونغلي، وأدت إلى سقوط ضحايا من المدنيين.
وأشار مشار إلى أن الحكومة الانتقالية لم تكن طرفًا في أي اتفاق يتيح انتشار القوات الأوغندية داخل أراضي جنوب السودان، معتبرًا أن هذه الخطوة تشكل انتهاكًا واضحًا للسيادة الوطنية. كما شدد على ضرورة تحرك الأمم المتحدة ومنظمة الإيغاد بشكل فوري لمنع مزيد من الانتهاكات وضمان تنفيذ بنود اتفاق السلام.
اتفاق سلام هش يواجه اختبارًا صعبًا
تعود جذور الأزمة الحالية إلى اتفاق السلام المُنشط الذي وقعته الحكومة والمعارضة في عام 2018 بوساطة إقليمية ودولية لإنهاء سنوات من الحرب الأهلية التي اندلعت في ديسمبر 2013، بين الرئيس سلفا كير ونائبه السابق رياك مشار، إثر صراع سياسي تحول إلى نزاع عسكري دموي أودى بحياة الآلاف وأدى إلى نزوح الملايين.
وبموجب الاتفاق، تم تشكيل حكومة وحدة وطنية انتقالية في 2020، حيث عاد مشار إلى جوبا وتولى منصب النائب الأول للرئيس، إلى جانب تقاسم السلطة بين الفصائل المتحاربة. كما نص الاتفاق على دمج القوات المتصارعة في جيش وطني موحد، وتنفيذ إصلاحات سياسية وأمنية، وتهيئة البلاد لإجراء انتخابات بحلول عام 2026.
لكن رغم مرور أكثر من خمس سنوات على توقيع الاتفاق، لا تزال بنوده تُنفذ ببطء شديد وسط استمرار التوترات بين الأطراف الموقعة. ويُعد الملف الأمني أكبر التحديات، حيث لم يتم استكمال عملية توحيد الجيش، كما أن النزاعات المحلية والتنافس السياسي بين كير ومشار لا يزالان يهددان الاستقرار.
اعتقالات وقلق مفوضية المراقبة

بالتزامن مع هذه الأحداث، نفذت أجهزة الأمن في ولاية البحيرات حملة اعتقالات طالت قيادات بارزة في المعارضة، من بينهم نائب حاكم الولاية إيزايا أكول مثيانق، ووزير الثروة الحيوانية قاي مجوك، وعضو المجلس التشريعي أتير أكولدي، ورئيس رابطة شباب الحركة الشعبية لتحرير السودان في المعارضة مانديلا ماشيك.
وجاءت هذه الاعتقالات عقب إصدار قيادات المعارضة بيانًا يدين الغارات الجوية التي شنتها القوات الحكومية والأوغندية في ولاية أعالي النيل. وعلى إثر ذلك، أمر حاكم ولاية البحيرات، رين توينج مبور، العضو القيادي في حزب الحركة الشعبية لتحرير السودان الحاكم، بإغلاق المكتب الرئيسي للمعارضة في رومبيك، مؤكدًا أن أنشطة الحركة الشعبية في المعارضة لن تُستأنف في الولاية حتى انتهاء التحقيقات مع قياداتها المعتقلة.
نشر قوات لحماية المدنيين:
التطورات المتسارعة أثارت قلق مفوضية المراقبة والتقييم المشتركة لاتفاق السلام، التي أعربت عن خشيتها من تفاقم الأزمة الأمنية، داعية الأطراف المتنازعة إلى الالتزام باتفاق وقف الأعمال العدائية. كما طالبت بالإفراج الفوري عن جميع المعتقلين السياسيين، مشددة على ضرورة نشر قوات موحدة لحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق.
نانسي اكايو سيريينو، نيابةً ممثلة الشباب في مفوضية مراقبة السلام، أدانت الجهات المعنية تدهور الوضع الأمني في الناصر وأولانق بولاية أعالي النيل، وغرب الاستوائية، وغرب بحر الغزال.
ودعت أطراف اتفاقية السلام المنشطة في جنوب السودان إلى الالتزام باتفاقية وقف الأعمال العدائية الموقعة في عام 2017، والتأكيد دون قيد أو شرط على اتفاقية السلام الشامل كإطار للحكم خلال هذه الفترة الانتقالية، وذلك لمنع أي زعزعة سياسية قد تؤدي إلى صراع أوسع نطاقا في البلاد”.
وناشدت المجموعة، وفقاً للبيان، حكومة الوحدة الوطنية الانتقالية المنشطة على اتخاذ خطوات عاجلة لمعالجة الوضع وتحقيق الاستقرار في المناطق المتضررة.
وأكدت أن “استمرار احتجاز القادة السياسيين يُقوِّض جهود السلام. قائلة: إذا وُجِّهت اتهامات لأي فرد، فيجب محاكمته أمام محكمة مختصة، بما يسمح للعدالة بأن تأخذ مجراها”.وأضافت “يجب أن تعمل القوات باحترام للمبادئ القانونية، بما في ذلك الاستخدام القانوني للقوة، والتمييز، والتناسب، والإنسانية، وعدم الاعتداء”.

وحثّوا الحكومة على نشر القوات الموحدة اللازمة في المناطق المتضررة من النزاع لاستقرار الأمن وحماية المدنيين وضمان إيصال المساعدات الإنسانية دون عوائق.
كما طالب البيان بإشراك جميع الأطراف في حوار شامل، يحترم حقوق الإنسان، ويعزز التماسك الاجتماعي، ويبني الثقة بين جميع سكان جنوب السودان، مع مراعاة آليات حل النزاعات المحلية والتقليدية”.
وأضافت، نانسي وفقاً للبيان: “هناك حاجة إلى اتخاذ إجراءات فورية الآن لاستعادة الاستقرار ودفع البلاد نحو المصالحة الوطنية، والتعافي، والاختتام الناجح للمرحلة الانتقالية بإجراء انتخابات عام 2026”.
وأكدت مفوضية المراقبة والتقييم المشتركة لاتفاق السلام، التزامها بالوحدة والحوار والمسؤولية الجماعية في الوقت الذي يواصل فيه جنوب السودان اجتياز الفترة الانتقالية الممتدة لعام آخر.
إعطاء أولوية للحوار:
من جهته دعا مجلس الكنائس الإنجيلية في جنوب السودان يوم “الثلاثاء”، إلى التهدئة الفورية للتوترات الأمنية والسياسية في البلاد، وإجراء الحوار.
وأعرب رئيس الكنائس الإنجيلية في جنوب السودان، الأسقف بول دينق جوشوا، في مؤتمر صحفي عُقد في جوبا، عن قلقه العميق إزاء تصاعد الأزمة السياسية والعنف في جميع أنحاء البلاد، خاصةً في ولايات أعالي النيل، الاستوائية الوسطى، وغرب الاستوائية، وواراب، وشرق الاستوائية.
ودعا جميع القادة والجهات المعنية إلى إعطاء الأولوية للحوار والسلام ورفاهية جميع مواطني جنوب السودان، حاثاً الرئيس سلفا كير ونائبه الأول الدكتور رياك مشار على الحوار المباشر كإجراء لبناء الثقة، وإيجاد حلول سلمية للتحديات الراهنة.
وأشاد ببعثة الاتحاد الأوروبي وسفارات الترويكا لاستعدادها لتسهيل المحادثات بين كير ومشار، وشجع القادة على قبول العرض أو النظر في حل محلي من الكنيسة لصالح الاستقرار الوطني. وحثّ كتلة شرق أفريقيا والإيقاد والاتحاد الإفريقي، على الانخراط بفعالية في جهود تهدئة التوترات ودعم جنوب السودان في إيجاد حلول مستدامة، للاستقرار الإقليم، وقال إن العمل الجماعي ضروري للحفاظ على السلام والأمن.
وقال “ندعو إلى تهدئة التوترات فورا، بما في ذلك وقف الأعمال العدائية والقصف الجوي في المناطق المتضررة، ونناشد جميع الأطراف ضمان حماية المدنيين والالتزام بالقانون الإنساني الدولي”.
وتابع: “ندين بشدة خطاب الكراهية والتصريحات التحريضية على منصات التواصل الاجتماعي التي تُؤجج الانقسامات، وتُقوّض الوحدة الوطنية، ونحثّ جميع القادة والمجتمعات والمواطنين على تعزيز ثقافة الاحترام والحوار البنّاء”.
العنف بين العشائر:
وأكّد أن العنف بين العشائر، بما في ذلك غارات نهب الماشية في ولايتي واراب وجونقلي، والاشتباكات بين المزارعين والرعاة في ولايتي شرق ووسط الاستوائية، لا تزال تُشكّل مصدر قلق كبير، داعياً إلى اتخاذ تدابير استباقية لمعالجة هذه النزاعات من خلال مبادرات السلام المحلية، وإنفاذ سيادة القانون، والتواصل مع المجتمعات المحلية لتعزيز التعايش السلمي، وطالب بتحقيق محايد في الأسباب الجذرية لهذه النزاعات، وتقديم أي شخص يُدان إلى العدالة”.
ودعا الأسقف الحكومة إلى تسريع عملية نزع سلاح المدنيين في جميع الولايات العشر والمناطق الإدارية الثلاث في جنوب السودان، واتخاذ خطوات ملموسة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي من خلال سياسات مسؤولة تُعطي الأولوية لرفاهية الشعب.
وأعرب عن مخاوفه بشأن وجود قوات أجنبية في جنوب السودان، داعياً إلى معالجتها من خلال الحوار الدبلوماسي، بما يضمن الحفاظ على السيادة الوطنية والاستقرار، وحثّ المنظمات الإقليمية والدولية على تهدئة التوتر.
وأضاف “نحن في مجلس الكنائس الإنجيلية في جنوب السودان، نؤكد مجددا صلواتنا والتزامنا بالسلام والمصالحة، ونقف على أهبة الاستعداد لدعم لجهود جميعها التي تعزز الوحدة والتعافي، وندعو جميع قادة ومواطني جنوب السودان على حد سواء إلى العمل معا من أجل جنوب سودان ينعم بالسلام والازدهار”.
