تشهد دولة جنوب السودان تطورات سياسية وأمنية متسارعة، تعكس تعقيدات المشهد الداخلي والتحديات والعقبات التي تواجه تنفيذ اتفاقية السلام المنشطة. وفي ظل تزايد المخاوف من اندلاع موجة جديدة من العنف، تتسابق الأطراف الفاعلة مع الزمن لاحتواء الأزمة ومنع البلاد من الانزلاق مجددًا إلى أتون الحرب الأهلية.
لجنة حكماءالاتحاد الإفريقي
في محاولة لاحتواء التوترات المتفاقمة، أرسل الاتحاد الأفريقي لجنة الحكماء إلى جوبا في زيارة تستمر لأربعة أيام، بهدف التوسط بين الأطراف السياسية وضمان تنفيذ اتفاق السلام. والتقى رئيس جنوب السودان، سلفا كير ميارديت، بأعضاء اللجنة، مؤكدًا التزام حكومته بتنفيذ بنود الاتفاقية، وفقًا لما نشرته الرئاسة على منصاتها الرسمية.
بدوره، شدد رئيس لجنة الحكماء، الرئيس البوروندي السابق دوميتيان ندايزي، على التزام الاتحاد الأفريقي بتعزيز الحوار والمصالحة من أجل تحقيق السلام الدائم. وتعتزم اللجنة لقاء مختلف الأطراف السياسية وأصحاب المصلحة ومن المقرر السماح للجنة بلقاء النائب الأول للرئيس د. رياك مشار والجلوس معه ، لمناقشة الحلول الممكنة للأزمة الراهنة.
وفي الأسبوع الماضي وضعت السلطات في جنوب السودان النائب الأول رياك مشار في إقامة جبرية في أعقاب تشديد الحراسة الأمنية على مقر إقامته وبدأت في إجراءات التحقيق، كما اعتقلت السلطات عدد من الوزراء والمسؤولين العسكريين والقيادات السياسية في الحركة الشعبية في المعارضة والتي يقودها رياك مشار.
تصاعد الأزمة ومخاوف الحرب الأهلية
تأتي هذه التحركات في وقت تتزايد فيه المخاوف من اندلاع مواجهات جديدة، خاصة بعد وضع النائب الأول للرئيس، رياك مشار، قيد الإقامة الجبرية، واتهامه بالتورط في أحداث الناصر التي أدت لمواجهات عسكرية بين القوات الحكومية ومسلحي “الجيش الأبيض” التابعين لمشار. وأثار هذا القرار ردود فعل متباينة، حيث يُنظر إليه على أنه خطوة قد تؤجج الصراع بدلاً من تهدئته.
وكانت الحرب الأهلية التي اندلعت عام 2013 بين الجيش الحكومي وخصومه بقيادة مشار قد أودت بحياة مئات الآلاف من الأشخاص، قبل التوصل إلى اتفاق سلام في 2018. ومع ذلك، لا يزال تنفيذ الاتفاق يواجه تحديات كبيرة بسبب غياب الثقة بين الأطراف المعنية.
الدور الإقليمي: زيارة الرئيس الأوغندي إلى جوبا
في سياق الجهود الدبلوماسية، وصل الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني إلى جنوب السودان في زيارة تهدف إلى مناقشة الأزمة السياسية والأمنية. وكانت أوغندا قد دعمت قوات سلفا كير خلال الحرب الأهلية، كما أرسلت تعزيزات أمنية إلى جوبا الشهر الماضي استجابةً لتدهور الوضع الأمني في ولاية أعالي النيل.
وعلى الرغم من أن موسيفيني لم يعلق بشكل مباشر على الأزمة، إلا أن زيارته تشير إلى تزايد الاهتمام الإقليمي بالحفاظ على استقرار جنوب السودان، خاصة مع تحذيرات الأمم المتحدة من أن البلاد قد تكون على شفا صراع شامل على أسس عرقية.
رفع حظر الأسلحة: مطلب حكومي لمواجهة التحديات الأمنية
في سياق متصل، دعا وزير الخارجية رمضان قوك المجتمع الدولي إلى دعم جنوب السودان في رفع حظر الأسلحة المفروض عليه، معتبرًا أن القيود الحالية تعيق قدرة الحكومة على تأهيل قواتها الأمنية وضمان الاستقرار. وأكد قوك أن الحكومة لا ترى أي حل عسكري للأزمة، بل تسعى لحل القضايا السياسية عبر الوسائل السلمية.
التحديات والسيناريوهات المحتملة
رغم الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى تهدئة الأوضاع، إلا أن الأوضاع في جنوب السودان لا تزال محفوفة بالمخاطر. فغياب الإرادة السياسية لتنفيذ اتفاق السلام، إلى جانب استمرار الخلافات بين كير ومشار، يزيد من احتمالية تفجر الأوضاع مجددًا.
ومع استمرار التحركات الدبلوماسية، تبقى السيناريوهات مفتوحة على عدة احتمالات، فإما أن تنجح الوساطات في إعادة الأطراف إلى طاولة الحوار، أو أن تتصاعد التوترات نحو مواجهة مفتوحة قد تعيد البلاد إلى نقطة الصفر.
إزاء تلك السيناريوهات، تظل جنوب السودان بحاجة إلى حلول مستدامة تعالج جذور الأزمة، وتضمن تنفيذ اتفاق السلام بصورة حقيقية، بعيدًا عن الصراعات السياسية الضيقة والمصالح الفئوية.